محمد أبو زهرة
1410
زهرة التفاسير
هذه الآيات موصولة بالآيات التي قبلها ؛ إذ الآيات التي قبلها ختمت بالأمر بطاعة اللّه ورسوله ، فقد قال سبحانه : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وفي هذه الآيات بيان معنى هذه الطاعة المطلوبة التي تؤدى إلى التراحم والتواصل والتواد ، ولذلك كانت هناك رواية بالقراءة من غير وصل بالواو سارِعُوا « 1 » بدل وَسارِعُوا . وإن رواية القراءة من غير وصل واضحة من حيث النسق في أنها تفصيل لمعنى الطاعة المطلوبة ، والقراءة المشهورة التي عليها القراء السبعة فيها ما يدل على أنها لبيان معنى الطاعة بالمعاني لا بالنسق . وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ المسارعة هنا معناها المبادرة والاتجاه الذي لا تراخى فيه ، ومعنى المسارعة إلى مغفرة اللّه تعالى المبادرة باتخاذ طريقها ، بأن يطهر قلبه من المعاصي ونفسه من الأدران ، ويتجه إليه سبحانه بقلب سليم قد رحض عنه المعاصي كما رحض الثوب من الأوساخ ، ولقد فسر ذو النورين قوله تعالى إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ بالإخلاص ، أي بادروا بالإخلاص وتنقية القلوب إلى مغفرة اللّه تعالى فإن ذلك هو الطريق المستقيم لطلب رضا اللّه تعالى ، ولقد عظّم سبحانه وتعالى شأن المغفرة التي ينبغي طلبها والاتجاه إليها فذكر بأنها تجىء من ربكم الذي خلقكم ونماكم ورعاكم ، فهي مغفرة تعلو بعلو مصدرها وهي الأمان والاعتصام . ويلاحظ أن القرآن يعدى المسارعة في الخير ب « إلى » ، والمسارعة في الشر ب « في » ، فيقول سبحانه : يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ، ويقول هنا : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ ؛ لأن المسارعة في الكفر تنقّل في براثنه فهم في قبته المظلمة التي تحيط بهم يتنقلون بالضلال في أرجائها ، وهم في مرتبة واحدة ، أما المسارعة إلى الخير ، فإنها انتقال من رتبة إلى رتبة ، ومن مقام صالح إلى مقام أصلح منه .
--> ( 1 ) قرأها بلا واو : نافع وأبو جعفر المدنيان ، وابن عامر الشامي ، وقد رسم هذا الحرف بغير واو قبل السين في مصاحف أهل المدينة والشام .